الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

410

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

فلا يتم لدوران الأمر حينئذ بين الظنين فيتوقف الرجحان على ثبوت المرجح بالدليل ولا يجري فيه الوجه المذكور بل يقضي الدليل المذكور حينئذ بحجية الجميع لانتفاء الترجيح حينئذ حسبما قرر في الاحتجاج فيعمل حينئذ بما يقتضيه قاعدة التعارض قلت لما لم يكن تلك الظنون حجة مع الخلو عن المعارض على ما قررنا فمع وجود المعارض لا تكون حجة بطريق أولى فلا يعقل معارضتها لما هو حجة عندنا وأنت خبير بأنه يمكن أن يقلب ذلك ويقال إنه مع التساوي أو الترجيح بحكم حجية الكل نظرا إلى بطلان الترجيح بلا مرجح حسبما قرر في الدليل فيلزم القول بحجيته مع انتفاء المعارض بالأولى بل يتعين الأخذ بالوجه المذكور دون عكسه فإن قضية الدليل المذكور ثبوت الحجية في الصورة المفروضة بخلاف رفع الحجية في الصورة الأخرى فإنه إنما يقال به من جهة الأصل وانتفاء الدليل على الحجية فيكون الثبوت هنا حاكما على النفي هناك فينتفي القول بحجية الكل كما هو مقتضى المستدل فتأمل ثانيها أن عدم قيام الدليل القاطع على حجية بعض الظنون لا يمنع من حصول الترجيح للاكتفاء فيه بالأدلة الظنية من غير أن يكون ذلك استنادا إلى الظن في إثبات الظن كما قد يتوهم توضيح ذلك أنه بعد قطع العقل بحجية الظن في الجملة ودوران الحجة بين بعض الظنون وكلها أن تساوى الكل بحسب الحجية في نظر العقل أمكن الحكم بحجية الجميع لما عرفت من امتناع الحكم بعدم حجية شيء منها وانتفاء الفائدة في الحكم بحجية بعض غير معين منها وحكمه بحجية بعض منها ترجيح بلا مرجح فيتعين الحكم بحجية الجميع وأما لو اختلفت الظنون بحسب القرب من الحجية والبعد عنها في نظر العقل ودار الأمر بين حكمه بحجية القريب أو البعيد أو هما معا فلا ريب أن الذي يقطع به العقل حينئذ هو الحكم الأول وإبقاء الباقي على ما يقتضيه حكم العقل قبل ذلك فهو في الحقيقة استناد إلى القطع دون الظن والحاصل أن الذي يحكم العقل بحجيته هو القدر المذكور ويبقى الباقي على مقتضى حكم الأصل ثالثها أن مقتضى الدليل المذكور حجية كل ظن عدا ما قام دليل على قطعي أو سنة إلى القطع على عدم جواز الرجوع إلى غيرها تعين الأخذ بها ولم يجز الرجوع إلى ما عداها إذ مع قيام الظن مقام العلم يكون الدليل الظني القائم على ذلك منزلا منزلة العلم بعدم جواز الرجوع إلى سائر الظنون فمقتضى ما أفاده الدليل المذكور من حجية كل ظن عدا ما دل الدليل المعتبر شرعا على عدم جواز الرجوع إليه عدم جواز الرجوع حينئذ إلى سائر الظنون بما عدا الظنون الخاصة وليس ذلك حينئذ من قبيل إثبات الظن بالظن ولا يعتد به بل إنما يكون كذلك من الإثبات والنفي العلم إذ المفروض العلم بقيام الظن مقام العلم عدا ما قام الدليل على خلافه فإن قلت إنه يقع التعارض حينئذ بين الظن المتعلق بالحكم والظن المتعلق بعدم حجية ذلك لقضاء الأول بصحة الرجوع إليه ودفع الثاني له فلا بد حينئذ من الرجوع إلى أقوى الظنين المذكورين لا القول بسقوط الأول رأسا قلت من البين أنه لا مصادفة بين الظنين المفروضين لاختلاف متعلقيهما لما هو ظاهر من صحة تعلق الظن بالحكم والظن بكونه مكلفا بعدم الاعتداد بذلك الظن والأخذ به في إثبات الحكم فلا يعقل المعارضة بينهما ليحتاج إلى الترجيح نعم قد يقال بوقوع التعارض بين الدليل الدال على حجية الظن والظن القاضي بعدم حجية الظن المفروض ويدفعه أن قضية الدليل الدال على حجية الظن هو حجية كل ظن لم يقم على عدم جواز الأخذ به دليل شرعي فإذا قام عليه دليل شرعي كما هو المفروض لم يعارضه الدليل المذكور فإن قلت إن قام هناك دليل علمي على عدم حجية بعض الظنون كان الحال على ما ذكرت وأما مع قيام الدليل الظني فإنما يصح جعله مخرجا عن مقتضى القاعدة المذكورة إذا كانت حجيته معلومة وهو إنما يبتني على القاعدة وهي غير صالحة لتخصيص نفسها إذ نسبتها إلى الظنين على نحو سواء فكما يكون الظن بعدم حجية ذلك الظن قاضيا بعدم جواز الأخذ به كذا يكون الظن المتعلق بثبوت الحكم في الواقع قاضيا بوجوب العمل بمؤداه ومقتضى القاعدة المذكورة حجية الظنين معا ولما كانا متعارضين لم يمكن الجمع بينهما كان اللازم مراعاة أقواهما والأخذ به في المقام على ما هو سياق الأدلة المتعارضة من غير أن يكون ترك أحد الظنين مستندا إلى القاعدة المذكورة كما زعمه المجيب إذ لا يقصر تخصيصها لنفسها والحاصل أن المخرج عن حكم تلك القاعدة في الحقيقة هو الدليل الدال على حجية الظن المفروض إذ الظن بنفسه لا ينهض حجة قاضية بتخصيص القاعدة الثابتة والمفروض أن الدليل عليه هو القاعدة المفروضة فلا يصح جعلها مخصصة لنفسها أقصى الأمر مراعاة أقوى الظنين المفروضين في المقام قلت الحجة عندنا حينئذ كل واحد من الظنون الحاصلة وإن كان المستند في حجيتها شيئا واحدا وحينئذ فالحكم بحجية كل واحد منها مقيد بعدم قيام دليل على خلافه ومن البين حينئذ كون الظن المتعلق بعدم حجية الظن المفروض دليلا قائما على عدم حجية ذلك الظن فلا بد من تركه والحاصل أن العقل قد دل على حجية كل ظن حتى يقوم دليل شرعي على عدم حجيته فإذا تعلق ظن بالواقع وظن آخر بعدم حجية ذلك الظن كان الثاني حجة على عدم جواز الرجوع إلى الأول وخرج بذلك عن الاندراج تحت الدليل المذكور فليس ذلك مخصصا لتلك القاعدة أصلا فإن قلنا إن العقل لا يحكم بحجية الظن الأول إلى أن يقوم دليل على خلافه كذا يحكم بحجية الأخير كذلك وكما يجعل الثاني باعتبار كونه حجة دليلا على عدم حجية الأول فليجعل الأول باعتبار حجية دليلا على عدم حجية الثاني إذ لا يمكن الجمع بينهما في الحجة فأي مرجح للحكم بتقديم الثاني على الأول قلت نسبة الدليل المذكور إلى الظنين بأنفسهما على نحو سواء لكن يتعلق الظن الأول بحكم المسألة في الواقع والظن الثاني بعدم حجية الأول فإن كان مؤدى الدليل حجية الظن مطلقا لزم ترك أحد الظنين ولا ريب إذن في لزوم ترك الثاني فإنه في الحقيقة معارض للدليل القاطع القائم على حجية الظن مطلقا لا للظن المفروض وحينئذ فلا ظن بحسب الحقيقة بعد ملاحظة الدليل القطعي المفروض وأما إن كان مؤداه حجية الظن إلا ما دل الدليل على عدم حجية الأول ولا معارضة للدليل القاضي بحجية الظن لكون الحكم بالحجية هناك مقيدا بعدم قيام الدليل على خلافه ولا الظن الأول لاختلاف متعلقيهما ولو أريد الأخذ بمقتضى الظن الأول لم يكن جعل ذلك الحكم دليلا على عدم حجية الظن الثاني لوضوح عدم ارتباطه به وإنما يعارضه ظاهرا نفس الحكم بحجيته وقد عرفت أنه لا معارضة بينهما بحسب الحقيقة ولا يصح أن يجعل حجية الظن الأول دليلا على عدم حجية الثاني إذ الحجة في المقام هي نفس الظنين والدليل المذكور في المقام